تاريخ مكة المكرمة

 

 أولا  :  الجانب التاريخي:   أ- مصدر أسم مكة المكرمة :

مكة المكرمة مدينة قديمة و لها جذور عميقة في التاريخ و لقد تعدد أسمها حسب الفترات الزمنية ،و لعل أسمها مشتق من كلمة ( بك ) السامية التي تعني الوادي(فروج:109) فقد ورد اسم مكة بلفظ بكة في قوله تعالي في سورة آل عمران  ( إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا و هدي للعالمين) ". ولعل أول إشارة وردت في الكتابات القديمة عن مكة المكرمة ما ذكره بطليموس الذي عاش في القرن الثاني الميلادي فقد ذكر اسم مدينة (مكربة)و قد ذهب الباحثون أن هذه المدينة ما هي الإ مكة المكرمة(عوض الله ،1398:35). و قد أورد ياقوت الحموي في معجمه روايات عديدة عن (الحموي، دت:182)تسمية مكة المكرمة منهاأنها سميت مكة من :
*مك القدي أي مصه لقلة مائها.
*إنها تمك الذنوب أي تذهب بها كما يمك الفصيل ضريع أمه فلا يبقي شيئا.
*لأنها تمك من ظلم أي تقصمه و ينشد قول بعضهم:

يا مكة الفجر مكي مكا                   و لا تمكي مدجحا و عكا.

ب-السكن في مكة المكرمة:

تاريخ مكة المكرمة عبر العصور حتى فجر الإسلام:

**عهد سيدنا إبراهيم عليه السلام:

من المرجح أن بدء السكنى بمكة المكرمة يرجع إلى أيام سيدنا إبراهيم و ابنه إسماعيل عليهما السلام و هذا يعني القرن التاسع عشر قبل الميلاد.قال تعالي (في سورة إبراهيم، آية 37)"ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون) و قد استجاب الله عزوجل دعاء سيدنا إبراهيم عليه السلام ،فعندما نفد ما كان لدي إسماعيل عليه السلام و والدته هاجر من زاد و ماء تفجر ماء زمزم من تحت قدمي إسماعيل عليه السلام و وفدت القبائل إلى مكان الماء.(الشريفي،،1969م:10)

**مكة في عهد خزاعة:

في أواخر القرن الثالث الميلادي تقريباً استطاعت خزاعة بزعامة ربيعة بن الحارث أن تتولى أمر مكة المكرمة ، وخلفه عمرو بن لحي الخزاعي و الذي يعتبر من أوائل من بدل دين إبراهيم عليه السلام بالوثنية.(السباعي،دت:23)

**مكة المكرمة في عهد قريش:

انتقل أمر مكة المكرمة من يد خزاعة إلى قريش بعد تحكيم يعمر بن عوف بن كعب ابن الليث و ذلك بسبب كثرة الصراع الذي حدث بين خزاعة، حيث حكم يعمر بن عوف بحجابة البيت و أمر مكة المكرمة لقصى دون خزاعة و أن لا تخرج خزاعة من مسكنها من مكة المكرمة (الفاسي،،دت:143).و لعل من أهم الأحداث التي حدث في هذا العصر هو قدوم أبرهة الأشرم لهدم البيت الحرام سنة 571م و الذي سمي بعام الفيل و هي السنة التي ولد فيها سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم .( زيادة:دت:123)

**مكة المكرمة في عهد النبوة:

لاشك أن ظهور الرسول صلى اله عليه و سلم كان أكبر الأثر في تغير الحياة في مكة المكرمة و في العالم حيث أمر بطلب العلم و حث عليه و يكفي أن أول آية نزلت في القران تحث عل العلم و هي سورة إقراء،كما غير الرسول صلى الله عليه و سلم كثير من الأمور الاجتماعية فمثلاً ألغي وأد البنات و حدد تعدد الزوجات و نظم شئون الزواج و الطلاق و قضى على القبلية (السباعي،دت:62).و قد أصبحت مكة المكرمة مهد العلم حيث كان بعض أصحاب الرسول الكريم صلى الله عليه و سلم كابن مسعود ، و بن عباس ،و أبي ذر الغفاري ، وابن عمر و أبي الدرداء رضي الله عنهم أجمعين يترددون إليها بعد الفتح و كانت مكة المكرمة تستفيد من علومهم .(المرجع السابق)

**مكة المكرمة في عهد الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم:

أصبح المسجد الحرام مزدحما بحلقات رجال الحديث و القراء و أصحاب الفتوى، و في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان أول توسعة للمسجد الحرام حيث شملت إضافة أسوار و أبواب للحرم و كان ذلك عام17 هـ ، ثم قام الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه بتجديد المسجد الحرام و توسعته و أحد فيها رواقا مسقفا و كسا الكعبة بالقباطي.(السباعي،دت:84)

**مكة المكرمة في العهد الأموي:

بدأت الخلافة الأموية في عهد معاوية بن أبي سفيان الذي تولي الحكم سنة 41هـ، و قام الأمويون بإصلاحات منها شق الطرق الاهتمام بالأمور الدينية و العلمية ، و في سنة 91هـ قام الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك بتجديد المسجد الحرام و توسعته و تسقيف أروقته بالصاج المزخرف و جعل الأعمدة من الرخام.(السباعي،دت،130)

**مكة المكرمة في العصر العباسي:

أهتم العباسيين بعمارة المسجد الحرام حيث أمر أبو جعفر المنصوري بشراء الدور الواقعة شمال المسجد الحرام فزاد مساحة المسجد الحرام و أهتم بجمال المسجد حيث زين أسقف الرواق بأنواع من النقوش كما فرش الأرضية بالرخام ، وفي سنة160هـ أشتري زاد المهدي في مساحة الحرم و جعل دار القواير(و هي دار بنيت بالزجاج في باطنها و الفسيفساء في خارجها لنزل الرشيد بين الصفاء و المروة)و من أبرز الإصلاحات في العهد العباسي توسعة المسجد الحرام و تشجيع حلقات الدرس و العلم و العلماء. و قد حدث عدة ثورات من العلويين انتهت بالفشل. (السباعي،دت:ج1،158)

**في عام 317هـ تمكن القرامطة من الاستيلاء على مكة المكرمة في موسم الحج ،و أخذوا معهم الحجر الأسود ، ثم أعادوه عام330هـ.
**ثم حكم الخشيديون مكة المكرمة بين عام 331 إلى 357.
**في عام 358 طرد جعفر بن محمد بن الحسين،و كون بذلك حكومة الطبقة الأولى من الأشراف.و يسمون بالموسويين ، نسبة إلى موسي الجوني.

**الطبقة الثانية :
وهم السليمانيون نسبة سليمان بن موسى الجون بن عبد الله بن المحض بن الحس بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهم الذين أجلو جميع الموسويين..
الطبقة الثالثة:الهواشم

حصل الهواشم على حكم مكة المكرمة بعد أن أجلوا السليمانيون الذين استمر حكمهم لمدة عامين فقط وذلك بمساعدة "علي بن محمد الصليحي " حاكم اليمن، وستمر حكمهم إلى سنة 597هـ.(السباعي،دت:202)

الطبقة الرابعة "بنو قتادة":
كان بني قتادة يسكنون البادية فلما كثر عددهم سار بهم قتادة إلى ينبع فاحتلها ، ثم تطلع إلى أمارة مكة المكرمة فسار إليها بجيش كبير فستولى عليها وأجلى منها بنوا هاشم سنة 597هـ وظلت هذه الطبقة في الحكم نحو سبعة قرون و نصف إلى أن أجلاهم السعوديون عنها.(المرجع السابق)

**الحكم السعودي :

في 17/3/1343هـ دخل الملك عبد العزيز يرحمه الله إلى مكة المكرمة وهو محرم ، وخطب في الناس الذين كانوا تجمعوا لاستقباله ( أمين أسعدج/166:2)و منذ ذلك الوقت و مكة المكرمة تعيش نهضة تعليمية و صحية و اجتماعية و اقتصادية و ثقافية لم يسبق لها مثيل .
تعمير المسجد الحرام عبر التاريخ:(وزارة الاعلام نشرة اعلامية،1411هـ)
قال الله تعالى ( أن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مبارك و هدى للعالمين)سورة آل عمران آية رقم 96 و لقد الله سبحانه و تعالى المسجد الحرام بهذا الاسم خمس عشرة مرة و ذكره بأسماء عديدة كلها تضح الناس ما ينبغي عليهم تجاه المسجد الحرام من احترام و إكبار لمكانته و فضله و شرفه.
و كان نبي الله إبراهيم و ولده إسماعيل عليهما السلام أو من نزل بمكة المكرمة و قد رفعا عليهما السلام بأمر من الله عزوجل قواعد البيت الحرام.
و قد ظل البيت الحرام تحيط به البيوت من جميع الاتجاهات من عهد إلى عهد الرسول صلى الله عليه و سلم و خليفته سيدنا أبو بكر الصديق رضى الله عنه ثم بدأت الزيادات و قد تم ذلك على النحو التالي:

1-زيادة عمر بن الخطاب رضى الله عنه و تمت سنة سبعة عشرة للهجرة النبوية المباركة.
2-زيادة عثمان بن عفان ذى النورين رضى الله عنه حيث جعل فيها رواقا مسقوفاً و كان ذلك سنة ست وعشرين للهجرة النبوية المباركة.
3-زيادة عبد الله بن الزبير رضى الله عنهما التي تمت سنة 66 للهجرة.
4-زيادة الوليد بن عبد الملك عام(91) للهجرة ، حيث أضاف مساحات أخري إلى الحرم و جدد بناءه و أقام فيه أعمد من الرخام فكان أول من جعل في البيت أعمدة.
5-زيادة أبي جعفر المنصور عام(139هـ) التي أضيفت فيها مساحات أخري للمسجد ، و بعض الأروقة .
6-زيادة الخليفة العباسي المهدي سنة(160هـ) حيث زاد في المسجد الحرام من الجهتين الشمالية و الشرقية و في عام (164هـ ) أمر المهدي بتوسعة الحرم من الجهة الجنوبية .
7-في عام (284هـ)زاد الخليفة العباسي المعتضد بالله في مساحة المسجد و أضاف باب جديد يعرف باسم " باب الزيادة"
8-زاد الخليفة العباسي المقتدر بالله مساحة أخري إلى المسجد و تعرف هذه الزيادة بباب إبراهيم و كان ذلك عام(306هـ) و في عام (604هـ)شب حريق هدم جانباً من المسجد الحرام ثم جاء سيل أطفاء النيران و أوقف انتشارها، و اهتم حاكم مصر السلطان فرج بن برقوق بذلك فأمر بإصلاح الموقع المتهدم و أعاد بنائه علىأفضل صورة.
9-و في عام (979هـ) قام السلطان سليم العثماني بتجديد عمارة المسجد كاملاً.
10-التوسعة السعودية المباركة:

كان في مقدمة اهتمامات الملك عبد العزيز يرحمه الله شئون الحرمين الشريفين حيث أذاع يرحمه الله بياناً في عام (1386هـ) يبشر المسلمين باعتزامه توسعه الحرمين الشريفين ، و بداء بالحرم النبوي الشريف.

و في عام (1375هـ)بدأ العمل في توسعة المسجد الحرام و الذي يعرف بالتوسعة السعودية الأولى و كان ذلك في عهد الملك سعود بن عبد العزيز آل سعود يرحمه الله

**التوسعة السعودية الجديدة:

هدف مشروع خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود حفظه الله لتوسعة المسجد الحرام المبارك أقصى توسعة ممكنة و ذلك لرفع طاقته الاستيعابية إلى أكبر حد ممكن و ذلك لتوفير مزيد من الأماكن للصلاة في المسجد أو فيما حوله من الساحات.
و قد بلغة مساحة الإضافة (76,000)متر مربع و تتناول توسعة المسجد الحرام من الناحية الغربية من "السوق الصغير "باب العمرة و باب الملك مما يستوعب حوالي (140,000) مصلى ، في الطابق الأرضي و العلوي و السطح.


ثانياً:الجانب الجغرافي:

1- الموقع الجغرافي:
تقع مدينة مكة المكرمة على السفوح الدنيا لجبال السروات ، فهي تمثل نقطة التقاء بين تهامة وجبال السروات ، وبذلك فهي تقع في غرب شبة الجزيرة العربية "غرب المملكة العربية السعودية"وتقع على يعد75 كم شرق البحر الأحمر، كما تقع بجوارها إلى الجنوب الشرقي على بعد 80 كم تقريباً مدينة الطائف.
الموقع الفلكي:تقع مكة المكرمة على دائرة عرض،19, 25،21 شمالا و خط طول 26، 59، 39 شرقاً وترتفع عن سطح الأرض بمقدار 300 متر عن سطح البحر.
التضاريس :
تضاريس مكة المكرمة عبارة عن مرتفعات جبلية ذات تركيب جرانيتي ويتراوح ارتفاعها ما بين 20 1912 متر فوق سطح البحر و تقع مكة المكرمة على سفوح هذه الجبال.
البناء الجيولوجي :
ذكر أحمد المهندس "أن منطقة مكة المكرمة تعد جزاء من الدرع العربي ، ومعظم صخورها نارية جوفية و الذي يغلب عليه نوع الصخور النارية الجرانيتية و التي يدخل في تركيبها الصخري الكوارتز ديورايث إلى التونالايت، كما يوجد بعض التكوينات الرسوبية و المتحولة .

و بوجه عام فان البناء الجيولوجي لمكة المكرمة يعود إلى أزمنة جيولوجية قديمة فصخورها تعود إلى التكوينات الاركية التي تتمتع بمقاومة جيدة للعوامل الجيوموفولجية الظاهرية و الباطنية.
المناخ:
تقع مكة المكرمة ضمن المنطقة الانتقالية بين تأثيرات مناخ البحر المتوسط و المناخ الموسمي و يؤثر البحر الأحمر فيها بنسبة ضئيلة جداً و مكة المكرمة تقع ضمن المنطقة المدارية الشمالية لذا فان درجة الحرارة ترتفع بها في الصيف و في الشتاء دافئ

،

 فضائل مكة المكرمة

فمكة المكرمة اختارها الخالق - عز وجل- ليبني بها بيته الحرام قال تعالى (ان أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين) وقال تعالى (ربنا إني اسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل افئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون).

ومكة المكرمة هي قبلة المسلمين وقلب الأمة الإسلامية النابض وواحة المشاعر المقدسة  قال تعالى (وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق). ففي مكة المكرمة الثواب مضاعف والذنوب مضاعفة فالصلاة في حرمها تساوي مائة ألف صلاة أي ان الصلاة في حرمها تكسب صاحبها في اليوم وخلال ادائه للصلوات الخمس المفروضة له الحسنة بعشر امثالها إلى خمسمائة ألف حسنة فما بالنا في الاسبوع أو في الشهر أو السنة وطيلة العمر. وقد شرفها الله بأمور عظيمة لا حصر لها قال تعالى ( واذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلداً آمنا وارزق اهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر) والادعية المأثورة في ذلك كثيرة ففي مكة جميع أنواع الفاكهة وتتواجد طوال العام ويستطيع الغني والفقير ان يأكل منها وذلك لرخص ثمنها وامكانية شرائها بأسعار زهيدة هذا بالإضافة إلى توفر جميع ما يحتاجه الانسان وذلك للبركة التي تغمرها وتغمر اصحابها. كما ان الخالق عز وجل توعد من يسفك الدماء بها فقال تعالى ( ان الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد ومن يرد فيه بالحاد بظلم نذقه من عذاب اليم). ومن فضائل مكة المكرمة ما رواه ابن العباس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( ليس بلد إلا سيؤمه الدجال إلا مكة والمدينة) وعن ابن عمر رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ( من طاف بالبيت كتب الله له بكل خطوة حسنة ومحا عنه سيئة).

ومن هذا المنطلق ونظرا للاهمية الدينية لهذه المدينة العظيمة ( مكة المكرمة) جاء اهتمام خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود وفقه الله وهو الذي أحب مكة فأحبته وأحبها سكانها ففي خلال شهر رجب وشهر شعبان لهذا العام شاهدنا ثلاث تظاهرات ثقافية ودينية تتمثل في إقامة مسابقة الملك عبدالعزيز الدولية للقرآن الكريم للعام السابع والعشرين وضمت متسابقين من جميع أنحاء العالم العربي والاسلامي وكذلك من الاقليات المسلمة.

اما التظاهرة الثانية فهي بدء فعاليات اختيار مكة عاصمة للثقافة الإسلامية والذي جاء انطلاقا من مكانتها الدينية فهي مهبط الوحي وقبلة المسلمين وفيها نور القرآن وعظمة الإسلام وشعاع الحضارة.

اما التظاهرة الثالثة فهي افتتاح مشروع تعظيم البلد الحرام والذي أشرف على تجهيزه جمعية مراكز الأحياء فرع مكة المكرمة واظهار عظمة ومكانة مكة وأهميتها في حياة المسلمين. كما تشهد مدينتنا المقدسة مكة المكرمة في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز مشروعات تطويرية ضخمة وعملاقة تقدر بأربعين مليار ريال وتسير حسب الطريقة المرسومة لها ولا يوجد بها أي تأخير وفقا لما صرح به مؤخرا صاحب السمو الملكي أمير منطقة مكة المكرمة ورئيس لجنة الحج المركزية الأمير عبدالمجيد بن عبدالعزيز الذي يبذل مجهودات جبارة بل وخرافية من أجل النهوض بمكة المكرمة واظهارها بالمظهر اللائق بها أمام ضيوف الرحمن.

اختيار مكة عاصمة للثقافة الإسلامية سمو برسالتها

بقلم: عبدالله بن حمد الحقيل

تأتي أهمية اختيار مكة المكرمة عاصمة للثقافة الإسلامية لعام 1426هـ للمكانة الخاصة التي تمثلها عند المسلمين قاطبة، فمكة قبلة للعبادة وللثقافة الإسلامية منذ سيدنا ابراهيم الخليل إلى رسولنا العظيم محمد بن عبدالله وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فمكة المكرمة مهوى أفئدة العرب والمسلمين وهي قبلة المسلمين التي يتوجه إليها كل مسلم بقلبه وتسكن قيمتها الروحية في فؤاده فهي أرض المقدسات ومصدر الإشعاع وبها البيت العتيق وهي أقدم وأشهر مدينة على وجه الأرض، وضع بها أول بيت للعبادة هو المسجد الحرام كما قال تعالى: إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا آل عمران: 96، وإن قواعده كانت معلومة معروفة لإبراهيم عليه السلام حين رفع هو وابنه إسماعيل عليهما السلام عمد تلك القواعد. ولقد نزل القرآن الكريم بلغة أهل مكة وبلسان عربي مبين.
إن مكة أقدس مكان على وجه الأرض والكعبة المشرفة هي سُرة الأرض ووسط الدنيا، ولمكة دور تاريخي وديني وثقافي عظيم على مر التاريخ ولها أثر في تشكيل الملامح الفكرية لعدد من المفكرين والأدباء والإصلاحيين والمؤرخين والرحالة في العالم الإسلامي والنشاط الثقافي والفكري ولمسجدها الحرام ومؤسساتها التعليمية والثقافية. لقد توافد عليها العلماء والأدباء عبر التاريخ لأداء فريضة الحج وانتهاز هذه المناسبة الدينية الجليلة للقاء علماء هذه المدينة المقدسة وتلقي العلم في أروقة المسجد الحرام ولقاء العلماء من مختلف أنحاء العالم الإسلامي.
إن مكة هي المركز الثقافي الأول الذي يشع فيه نور الإسلام على العالم وهي التي تهفو إليها أفئدة وقلوب المسلمين في شتى بقاع المعمورة فهي أرض الجلال وكما قيل:
أرض الجلال ولدت خير موحد
وبلغت ما لم تبلغ الأجواء
وظهرت في الدنيا بأسمى مغنم
وطن الرسول وجل منك بناء
بيت الرسول وفيه بيت المصطفى
ومقام ابراهيم والإسراء
وعلى ترابك قد مشى خير الورى
وتحدث التاريخ والفصحاء
لقد كان لمكة أثر في الحياة الاجتماعية والعلمية في العالم الإسلامي وصورة مكة بارزة في الأدب والتاريخ ورحلات الحج كما أن لها فضائل كثيرة وقيل:
ومنحت للدنيا تراثاً خالداً
نور النبوة إنه لبهاء
وبنوك قد سعدوا بأعظم موطن
من دونه الأوطان والأحياء
ولقد سطر عدد من الرحالة رحلاتهم إلى مكة المكرمة خلال حجهم إلى بيت الله الحرام وبالجملة فقد كان أثر الحج في الرحلات والمؤلفات إلى مكة بارزا فقد صوروا الحج ومشاهده وأماكنه والمعالم التاريخية والأثرية وحرصوا على ذكر الأمور العلمية والتاريخية والجغرافية والاجتماعية والثقافية وأثرها في تشكيل هوية المسلم، كما وصفوا الطرق والمدن والمرافق والمناخ والأمن وذكر العلماء والأدباء والفقهاء والمحدثين والمدارس وحلقات العلم في الحرم المكي وما إلى ذلك وصوروا الحج ومشاهده وأماكنه مما جاءت به قرائح الرحالة مما يؤكد مدى تأثرهم برحلة الحج إلى مكة المكرمة ووضعوا إحساسهم وشعورهم بشكل بارز رغم تكبدهم مشقة الإرهاق في صوب القفار والسير في الفيافي والمفاوز وصعوبات الطريق وما فيه من مخاطر ومتاعب، فقد كانت عاطفة هؤلاء الأدباء والرحالة والمؤرخين جياشة قوية وإن المتتبع لما كتبه الرحالة يجد كمّاً هائلاً من المعلومات الثرية في شتى المجالات حول مكة المكرمة حتى إن تلك الرحلات لعبت دوراً كبيراً في تاريخها وجغرافيتها وسكانها وتقاليدها.
وما كتب عن الأماكن المقدسة نتيجة لتلك الرحلات وما صدر من كتب دينية وتاريخية متعلقة بالحرمين الشريفين يعتبر أكثر مما كتب عن أي جزء آخر من مناطق العالم، إن هذا الكم من المؤلفات تتحدث عن مكة وعن الحرمين الشريفين وعن مناسك الحج والعمرة والآثار الإسلامية وأثر الحج في الحياة الاجتماعية والعلمية والأدبية في مكة المكرمة...
وسميت مكة أم القرى كما جاء في سورة الأنعام
لتنذر أم القرى ومن حولها لقد ربطت بين الماضي والحاضر والمستقبل فقد حملت آخر رسالة سماوية.
ولقد دعا إبراهيم عليه السلام لمكة ولهذا البيت أن يجعله الله بلدا آمنا ويرزق أهله من أنواع الثمرات كما قال تعالى:
وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا أي مرجعا يتوبون إليه بحصول منافعهم الدينية والدنيوية يترددون إليه ولا يقضون فيه وطرا ويأمن به كل أحد حتى الوحشي وحتى الجمادات كالأشجار ولهذا كانوا في الجاهلية على شركهم يحترمونه أشد الاحترام ويجد أحدهم قاتل أبيه في الحرم فلا يتعرض له فلما جاء الإسلام زاده حرمة وتعظيماً وتشريفاً وتكريماً فرسالة الإسلام قد طبعت مكة بطابع المعرفة والثقافة الإسلامية التي يتحقق من خلالها أسمى نتائج الكمال الروحي والثقافي.
إن هذا البيت في مكة المكرمة جعل الله قصده ركناً من أركان الإسلام حاطّاً للذنوب والآثام وفيه من آثار الخليل وذريته ما عرف به إمامته كما قال تعالى
واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وقد عهد الله إلى إبراهيم وإسماعيل تطهير البيت العتيق لقاصديه من المتعبدين.
لقد حظيت مكة بعناية خاصة من لدن العلماء والأدباء والمؤرخين والرحالة قديماً وحديثاً وتجلى ذلك في كثرة ما دار حولها من البحوث والكتب والمؤلفات والدراسات منذ وقت مبكر إلى يومنا هذا وكل هذا يعكس ما لمكة من مكانة سامية وغالية في نفوس المسلمين. وتعد الرحلات التي كتبت عن مكة من مصادر التاريخ التي تضيف الكثير من المعلومات والأحداث وتقدم وصفا للأماكن والشخصيات وللجوانب الاجتماعية والحضارية التي تشملها تلك الرحلات. وتمثل رحلة الحج حجر الزاوية فقد نشطت الرحلات إلى مكة بقصد أداء فريضة الحج ولقد رصد الباحثون أكثر من مئة اسم من المغرب والأندلس من القرن الثالث الهجري حتى القرن الرابع عشر الهجري لعدد من العلماء والمؤرخين قدموا إلى مكة لأجل الحج والزيارة وخلفوا تآليف بعضها مطبوع وآخر مخطوط.
ومن رواد الرحالة وهم كثر نستعرض نماذج منهم، يأتي في المقدمة: اليعقوبي (ت 248) الذي وصف مكة في سفر سماه "كتاب البلدان" وكذلك زكريا بن خطاب وصل مكة سنة 295ه وسمع في مكة كتاب "النسب" للزبير بن بكار وتحدث عن علمائها وكذلك ناصر خسرو (394- 481ه) تحدث بإسهاب عن مكة وعن المشاعر المقدسة والمآثر الإسلامية في كتابه (سفرنامة) وكذلك العلامة محمد بن عبدالله بن يحيى (ت 339ه) زار مكة وأقام بها مدة تلقى العلم فيها على يد ابن المنذر وفي القرن الخامس نجد عبدالوهاب القرطي (ت 461ه) أقام بمكة لمدة وتحدث عنها وسمع فيها الحديث والسيرة وتحدث عن مناسك الحج ووصف الحرم المكي والمعالم والآثار الإسلامية.
ثم يأتي الرحالة ابن جبير ألمع الرحالة الأندلسيين وصل مكة وتحدث عن رحلته وحجه إلى بيت الله الحرام ويصف لنا مشاهد كثيرة ويرسم الطريق الى مكة بمنازله ومناهله رسما بارعا وتصويرا دقيقاً ومتقصياً لأحوال مكة وآثارها وجبالها وجميع جهاتها ويصف المسجد الحرام وصفاً مسهباً كما يصف مناسك الحج والمشاعر المقدسة وصفا طويلاً.
وكذا شيخ الرحالين ابن(بطوطة) فقد زار مكة وأخذت بتلابيبه وشوقه فأسهب في وصفها وفي وصف الحرم وزمزم والصفا والمررة والأماكن والمعالم والعادات والتقاليد في الحجاز فجاءت رحلته بأوصاف دقيقة مع اهتمامه بالقصص الفردية والنادرة في رحلته.
وهكذا حظيت مكة موطن الوحي ومنزل القرآن وموئل الهدى ومهوى الأفئدة وهي رمز ومكانة وقيمة لا تساويها ولا تشابهها اي قيمة ولا تسمو عليها مكانة بعناية خاصة من لدن العلماء والأدباء والشعراء والمؤرخين والرحالة قديماً وحديثاً تحدثوا عن الآثار الثقافية بمكة المكرمة البلد الحرام الذي جعله الله مثابة للناس وأمنا والذي أنزل الله به:
والتين والزيتون*وطور سينين*وهذا البلد الأمين قبلة المسلمين.. هذا وبالله التوفيق.
(* امين عام دارة الملك عبدالعزيز الأسبق

 

 
 
 
 
 
 


Back

Home